ابن الجوزي

299

صفة الصفوة

وقال أبو الفرج الصائغ : قال المرتعش : من ظنّ أن أفعاله تنجيه من النار أو تبلغه درجة الرضوان فقد جعل لنفسه ولفعله خطرا ، ومن اعتمد على فضل اللّه بلغه اللّه أقصى منازل الرضوان . وقيل له : إن فلانا يمشي على الماء . فقال : إن من مكّنه اللّه من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الهواء والماء . وعن أحمد بن علي بن جعفر قال : كنت عند المرتعش قاعدا فقال رجل : قد طال الليل وطاب الهواء . فنظر إليه المرتعش وسكت ساعة ثم قال : لا أدري ما يقول ، غير أني أقول ما سمعت من بعضهم ، يقول : لست أدري أطال ليلي أم لا * كيف يدري بذاك من يتقلّى ؟ لو تفرّغت لاستطالة ليلي * ولرعي النجوم كنت مخلا قال : فبكى من حضره ، واستدلوا بذلك على عمارة أوقاته . قال السلمي : وتوفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة . رحمه اللّه . 320 - أبو جعفر المجذوم قال أبو الحسن الدرّاج : كنت أحج فتصحبني جماعة ، فكنت أحتاج إلى القيام معهم والأشغال بهم . فذهبت سنة من السنين ، يعني على الوحدة ، وخرجت إلى القادسية . فدخلت المسجد فإذا رجل في المحراب مجذوم ، وعليه من البلاء شيء عظيم . فلما رآني سلّم عليّ وقال : يا أبا الحسين عزمت على الحج ؟ قلت : ، على غيظ مني وكراهية له . قال : فقال لي : فالصحبة . فقلت في نفسي : أنا هربت من الأصحّاء أقع في يدي مجذوم ؟ قلت : لا . قال لي : افعل . قلت : لا واللّه لا أفعل . فقال لي : يا أبا الحسين ، يصنع اللّه للضعيف حتى يتعجّب القويّ . فقلت : نعم ، على الإنكار عليه . قال : فتركته . فلما صليت العصر مشيت إلى ناحية المغيثة « 1 » فبلغت كالغد

--> ( 1 ) المغيثة : موضع على طريق مكة .